تحديات سوق العمل المهني المصري بين العاملين وأصحاب الأعمال والباحثين عن فرص عمل ـــ Challenges in the Egyptian professional labor market: Perspectives of workers, employers, and job seekers




• تحديات سوق العمل المهني المصري بين العاملين وأصحاب الأعمال والباحثين عن فرص عمل:
Challenges in the Egyptian professional labor market: Perspectives of workers, employers, and job seekers
• ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• تمهيد:
هذه المقالة لا تنطلق من الرغبة في إنشاء جهة جديدة لمجرد زيادة عدد الجهات، ولا من انتقاد جهة بعينها، وإنما من مشكلة عملية تستحق أن نناقشها: كيف يمكن أن يصبح سوق العمل المهني أكثر قدرة على معرفة احتياجاته والاستجابة لها في الوقت المناسب؟
السوق قد يحتاج إلى مهنة محددة، وبعدد محدد، وبمهارات محددة، وفي مكان محدد، وفي وقت محدد، بينما تكون العمالة المطلوبة موجودة في مكان آخر، أو تحتاج إلى تدريب إضافي، أو لا توجد بالعدد الكافي أصلاً، وهنا يبدأ السؤال الحقيقي من يرى الصورة كاملة؟
• أولاً ــ الجهات والأطراف الفاعلة في سوق العمل المهني المصري:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سوق العمل المهني لا تعمل داخله جهة واحدة، وإنما تتداخل فيه أدوار عدد من الجهات والأطراف، من بينها:
• وزارة العمل:
تتولى من خلال قطاع التشغيل ومعلومات سوق العمل أدوارًا تتعلق برصد المتغيرات في سوق العمل، ودراسة العرض والطلب على القوى العاملة، وتوفير المعلومات المتعلقة بالمهن والتخصصات، كما تتيح خدمات تسجيل راغبي العمل بهدف التعرف على حالاتهم المهنية والعلمية وقدراتهم وتحقيق المواءمة بين نظامي العرض والطلب.
• قطاع التعليم الفني:
يسهم قطاع التعليم الفني في إعداد وتأهيل العمالة المهنية من خلال نماذج متعددة ترتبط بسوق العمل، ومنها التعليم والتدريب المزدوج ومدارس التكنولوجيا التطبيقية والشراكات مع القطاع الخاص، بما يتيح التدريب العملي وإعداد خريجين وفق احتياجات القطاعات المختلفة قد المستطاع.
• جهات ومؤسسات أخرى:
1. منصات وتطبيقات التوظيف والإعلانات وشبكات التواصل المختلفة.
2. شركات ومقدمو خدمات يساعدون أصحاب الأعمال في الوصول إلى العمالة المطلوبة.
3. مؤسسات تدريبية وبرامج مدعومة من جهات مانحة تستهدف تدريب وتشغيل فئات مختلفة.
4. مؤسسات القطاع الخاص التي تمثل الطرف الذي يحدد جزءًا مهمًا من الطلب الفعلي على المهن والمهارات.
5. وهذه الجهات جميعًا تؤدي أدوارًا مهمة، لكن وجود أدوار متعددة يقودنا إلى سؤال آخر: أين المشكلة؟
• أين المشكلة؟
1. القضية ليست بالضرورة غياب الجهود، وإنما مدى التكامل بينها. فماذا يحدث عندما يحتاج صاحب عمل إلى مهارة مهنية غير متوفرة بالعدد الكافي؟
2. من يستقبل الطلب؟ ومن يبحث عن العمالة المتاحة؟ ومن يحدد حجم الفجوة؟ ومن يعرف الجهات القادرة على تدريبها؟ ومن يربط بين الشركة ومؤسسة التعليم أو التدريب؟ ومن يتابع النتيجة؟
• ثانيًا ــ سوق العمل المهني بين الزيادة والعجز في التخصصات:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مشكلة زيادة بعض التخصصات التي لا يتناسب عليها الطلب، قد تظهر في بعض الفترات تخصصات يزيد عدد مخرجاتها عن احتياجات السوق، وهو ما قد يؤدي إلى صعوبة في تشغيل هذه المخرجات وزيادة الفجوة بين التعليم والتدريب والتشغيل. وهنا تظهر الحاجة إلى:
1. قراءة احتياجات السوق بصورة مستمرة.
2. إعداد برامج إعادة تأهيل أو انتقال مهني عندما يكون ذلك ممكن.
3. مراجعة بعض التخصصات أو أعداد المقبولين بها وفقًا للبيانات المتاحة.
4. دراسة إمكانية إعادة توجيه بعض المخرجات إلى تخصصات أخرى مطلوبة.
• مشكلة العجز في التخصصات المطلوبة:
وفي المقابل، قد يحتاج السوق إلى تخصصات أو مهارات لا تتوافر بالعدد أو المستوى المطلوب. وهنا تصبح المشكلة أكثر بالنسبة للشركات، فقد تضطر الشركة إلى البحث بين أكثر من جهة، أو التواصل مع مؤسسات تعليم وتدريب، أو الاستعانة بمقدمي خدمات، أو محاولة إنشاء شراكة مباشرة لإعداد العمالة التي تحتاج إليها.. السؤال: هل توجد آلية تستطيع أن تحول احتياج الشركة من مجرد طلب إلى استجابة منظمة؟
• ثالثًا ــ الشركات بين زيادة العمالة ونقص المهارات:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عندما تزيد بعض التخصصات داخل الشركات، قد تؤدي التطورات التقنية أو تغير أدوات وطرق التشغيل أو إعادة هيكلة الأعمال إلى انخفاض الحاجة إلى بعض الوظائف أو المهارات داخل مؤسسة ما. وهنا قد تلجأ المؤسسة، وفق ظروفها وإطارها القانوني والتنظيمي، إلى خيارات مختلفة، من بينها:
1. إعادة توزيع بعض العاملين.
2. إعادة تأهيل وتدريب البعض لمهام أخرى.
3. إعادة هيكلة بعض الوظائف وفقًا لاحتياجات التشغيل.
4. إنهاء بعض علاقات العمل عندما تفرض الظروف ذلك، مع مراعاة الحقوق والإجراءات القانونية ذات الصلة.
• أين التحدي؟
التحدي ليس فقط في قرار المؤسسة، وإنما في كيفية إدارة الانتقال المهني للعمالة المتأثرة. فهل توجد آلية فعالة تساعد على معرفة:
1. ما التدريب الذي يحتاجونه؟
2. ومن يمكنه إعادة تأهيلهم؟
3. ما المهن التي يمكن الانتقال إليها؟
4. أين توجد فرص العمل المناسبة لهم؟
5. ما المهارات التي يمتلكها هؤلاء العاملون؟
6. وهنا تظهر أهمية الربط بين الشركات والتعليم والتدريب وسوق العمل والجهات المعنية بالعمال.
• عندما تعاني الشركات من نقص العمالة:
في الجانب الآخر، فإن نقص العمالة المهنية المطلوبة قد ينعكس بصورة مباشرة على الشركات. فقد يؤدي إلى:
1. زيادة تكلفة التشغيل.
2. التأخر في تنفيذ العقود ومواعيد التسليم.
3. زيادة ساعات العمل والضغط على العمالة الموجودة.
4. التردد في قبول أعمال أو عقود جديدة إذا لم تتوافر القدرة البشرية اللازمة لتنفيذها.
• هنا نصل إلى مجموعة من الأسئلة البسيطة في صياغتها، الكبيرة في أثرها:
1. ما مستوى خبرتها ومهاراتها؟
2. كم عددها؟ أين توجد جغرافيًا؟
3. هل تستطيع الالتحاق بالعمل فورًا؟
4. أم تحتاج إلى تدريب أو إعادة تأهيل؟
5. أين توجد العمالة المهنية المتخصصة؟
6. من يجد للشركات العمالة الجاهزة التي تحتاج إليها؟
7. من المسؤول عن معرفة العمالة المتاحة في سوق العمل المهني؟
8. عندما تضطر الشركة إلى البحث عن هذه الإجابات من أكثر من جهة، فإنها تخسر وقت وجهد وفرص عمل
• رابعًا ــ لماذا تظهر فجوات الزيادة والعجز في بعض التخصصات؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هناك مجموعة من الأسباب التي تستحق الدراسة والنقاش، من بينها:
1. الحاجة إلى آليات أفضل لإدارة الانتقال المهني للعاملين المتأثرين بتغيرات التشغيل.
2. الحاجة إلى تحسين الرؤية المستقبلية لاحتياجات سوق العمل والمهن الناشئة والمتغيرة.
3. استمرار الحاجة إلى تطوير الربط بين مؤسسات التعليم والتدريب والطلب الفعلي في الشركات.
4. تعدد قنوات البحث عن العمالة دون وجود مسار واضح يجمع المعلومات والاحتياجات المهنية في صورة متكاملة.
5. الحاجة إلى تطوير اللجان والآليات المشتركة بين أصحاب الأعمال والتعليم والتدريب والجهات المعنية بسوق العمل.
6. الحاجة إلى شراكات أكثر وضوحًا وشفافية، تقوم على أهداف ونتائج قابلة للقياس وتحمي من تضارب المصالح.
7. ضعف طرح بعض مشكلات سوق العمل المهني للنقاش المجتمعي المتخصص بصورة تساعد على الوصول إلى حلول عملية.
8. احتمال وجود فجوة بين المعلومات المتاحة لدى مؤسسات التعليم والتدريب وبين حجم الطلب الفعلي والمتغير على بعض المهن.
9. الحاجة إلى مزيد من التنسيق في موضوعات مثل المناهج والبرامج التدريبية والتدريب العملي والساعات التدريبية والمعايير المهارية والتدريب التعاوني والميداني.
• هنا لا يعني الحديث عن هذه التحديات أن الجهود القائمة غير موجودة؛ بل يعني أن السوق المتغير يحتاج باستمرار إلى تطوير أدوات الربط والتنسيق بين هذه الجهود. أين تقع الفجوة إذن؟ ربما لا نحتاج إلى البحث عن جهة جديدة قبل أن نحدد المشكلة بدقة.
• ربما نحتاج أولاً إلى أن نسأل:
1. من يتابع الشراكات ويقيس نتائجها؟
2. من يقرأ سوق العمل المهني بصورة مستمرة ويحلل احتياجاته؟
3. من يربط الشركات بمؤسسات التعليم والتدريب القادرة على الاستجابة؟
4. من يضمن وجود إجراءات واضحة وسريعة ومعايير تقلل من تضارب المصالح؟
5. من يتابع احتياجات الشركات ويحولها إلى احتياجات مهارية وتدريبية واضحة؟
6. من يمتلك الصلاحية والخبرة للتفاوض بين أصحاب الأعمال ومؤسسات التعليم والتدريب؟
7. كيف يتم تحديث بيانات الباحثين عن العمل والعمالة المهنية المتاحة وربطها بالطلب الحقيقي؟
8. كيف يمكن الاستجابة لاحتياج شركة إلى فنيين اليوم، بدل انتظار حل المشكلة بعد سنوات؟
9. لماذا تنجح بعض الشراكات بين الشركات والتعليم والتدريب، بينما تواجه شراكات أخرى صعوبات في الاستمرار؟
• هنا يظهر السؤال الأكبر، هل نحتاج إلى هيئة جديدة؟ أم نحتاج إلى جهة أو آلية مؤسسية واضحة تكون نقطة اتصال مع أطراف سوق العمل المهني، وتنسق المعلومات والاحتياجات، دون أن تلغي اختصاصات الجهات القائمة؟ قد يكون الفرق بين الخيارين مهمًا.
فالمطلوب ليس بالضرورة إنشاء جهة تقوم بعمل وزارة العمل أو وزارة التعليم أو مؤسسات التدريب أو الشركات. وإنما قد يكون المطلوب هو وجود وظيفة مؤسسية واضحة للتنسيق والربط تستطيع أن ترى الصورة الكاملة، وتجمع المعلومات، وتحدد الفجوات، وتوصل الاحتياج إلى الجهة القادرة على الاستجابة.
• خامسًا ــ خلاصة القول:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. وزارة العمل لديها بالفعل اختصاصات في التشغيل ومعلومات سوق العمل، وقطاع التعليم الفني لديه نماذج وشراكات تربط التدريب باحتياجات سوق العمل. كما أن الاستراتيجية الوطنية للتشغيل تتضمن توجهًا واضحًا نحو تطوير نظام معلومات سوق عمل موحد وشامل لتحسين المطابقة وتحديد فجوات المهارات.
2. إذن القضية ليست السؤال: هل تعمل الجهات؟ بل السؤال الأهم: كيف تعمل هذه الجهات معًا عندما تظهر فجوة مهنية حقيقية في السوق؟ ومن هنا يمكن اختصار المشكلة في ثلاثة أسئلة:
 من يعرف احتياجات السوق؟
 من يعرف المهارات والعمالة المتاحة؟
 ومن يربط بين الاثنين عندما توجد فجوة؟
3. فقد لا تكون المشكلة أن الجهات المعنية لا تعمل. وقد لا تكون المشكلة أن التعليم الفني لا ينتج خريجين. وقد لا تكون المشكلة أن الشركات لا تبحث عن العمالة. قد تكون المشكلة الحقيقية في المسافة بين هذه الأطراف.
4. الاستراتيجية الوطنية للتشغيل تضع بالفعل أهمية تطوير نظام معلومات سوق عمل موحد وشامل يربط الوظائف والشواغر والأجور والمهارات وفجواتها. ويبقى السؤال العملي الذي يستحق أن نناقشه جميعًا: كيف ننتقل من تعدد الجهود والمعلومات والقنوات إلى آلية أكثر تكاملًا، تستطيع أن تستقبل احتياج السوق، وتحدد الفجوة، وتربطها بالمهارة والتدريب والعمالة، ثم تتابع النتيجة؟
5. ربما يكون هذا هو الطريق الذي يجعل سوق العمل المهني لا يكتفي بالبحث عن العمالة، وإنما يصبح قادرًا على إدارة حركة المهارات والمهن بين التعليم والتدريب والعمل بصورة أكثر تكاملًا واستجابة لاحتياجات الاقتصاد.
• ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ البحث والاعداد / بدرالدين أحمد

تعليقات